البحرين.. نحو نزع حقيقي لفتيل التوتر

Posted

in

by

البحرين.. نحو نزع حقيقي لفتيل التوتر

 تركي فيصل الرشيد

 

أخشى أن يُلصق بالقوات الخليجية – على رغم رمزيتها – جميع الأعمال الوحشية التي تقع في البحرين أو أن تستغل بعض الأطراف التدخل العسكري في البحرين لا لمقاومة النعرات الطائفية في دول الخليج وإنما لإذكائها ما يؤدي إلى هز استقرار المنطقة

 

دعت الحكومة البحرينية مواطنيها للترحيب بالقوات الخليجية، معلنةً أنها استعانت بقوات درع الجزيرة التابعة لمجلس التعاون الخليجي في محاولة لنزع فتيل التوتر والمشاركة في حفظ الأمن والاستقرار في البلاد، فيما وصفت المعارضة دخول القوات الخليجية بأنه بمثابة إعلان حرب واحتلال بعدما آلت الأمور إلى إعلان ملك البحرين حالة السلامة الوطنية وإعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة اشهر وحظر التجول في بعض المناطق.

 جاء ذلك عقب تظاهرات تشهدها البحرين تطالب بإصلاحات سياسية حقيقية وجادة، في مقدمها إقالة الحكومة وتشكيل أخرى تقوم بإصلاحات سياسية وديمقراطية حقيقية، ووضع دستور جديد للبلاد يتضمن نظام ملكية دستورية.

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه كان بإمكان حكومة البحرين امتصاص هذا الاحتقان أو الجزء الأكبر منه من مبدئه بالتجاوب مع بعض مطالب المحتجين بتغيير رئيس الوزراء وتعديل الدستور، علما أن ولي العهد يعلم أن دخول قوات إلى البحرين سوف يجعل المفاوضات أكثر تعقيدا وتحديا، خصوصا مع وضعه ست اطروحات للمناقشة لا تلبي الحل مع الأحداث الحالية كإزاحة رئيس الوزراء وبعض الوزراء السنة المتشددين.

يعتقد بعض المحللين ان الصراع كان بين أجنحة العائلة المالكة بالبحرين وهي جناح الملك وولي العهد وجناح رئيس مجلس الوزراء، كما صرح بعض المحللين السياسيين بأن قرار البحرين بالاستعانة بدرع الجزيرة للتدخل العسكري في البحرين يعني أن الاسرة الحاكمة في المنامة قد تجاهلت المناشدات الامريكية بالتحاور مع المحتجين. وقد صرحت مارينا اوتاواي مديرة برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلم العالمي بواشنطن بأن هذا يعني ان حكومة البحرين قد قررت الجنوح نحو التشدد، كما صرح جاي كارني الناطق باسم البيت الأبيض بأن هذا “ليس غزوا للبحرين، ولكننا نعتقد رغم ذلك ان الحوار السياسي هو الطريق الأمثل لمعالجة القلاقل الجارية في البحرين وغيرها من دول المنطقة وليس قمعها بالقوة”.

والملاحظ من هذه التصريحات أن الرد الأمريكي على التدخل الخليجي اتسم بالحذر، إذ تخشى واشنطن من احتمال قيام إيران باستغلال التوتر في البحرين لمصلحتها، ولهذا لم ترحب بالتدخل ولم تنتقده، خصوصا أن غالبية الساسة الامريكيين – وفقا لكثير من المحللين – مهوسون بثلاثة هواجس أولها إسرائيل وثانيها الإرهاب وثالثها إيران وغالبا تفكيرها يرتكز على تلك المحاور فقط.

 ومع ما يتضح من حجم القوة العسكرية الخليجية الذي يعتبر رمزياً مقارنة بـ 60 ألف جندي يتبعون ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء البحرينيين – وأكثرهم مرتزقة من جنسيات مختلفة من البلوش واليمنيين والسوريين حسب مجلة فورين بوليسي (Foreign Policy) تبرز الرسالة الخليجية واضحة تماما، مفرداتها تقول إن الدول الخليجية لن تسمح بهز استقرار أحد دولها وإنها ستقاوم النعرات الطائفية، ولكن الذي يخشاه الكثيرون أن هذا الامر يعد مغامرة أو مقامرة قد تكون مكلفة جدا بل باهظة الثمن، ومحفوفة بمخاطر من العيار الثقيل، وإنني أخشى أن يلصق بتلك القوات جميع الأعمال الوحشية التي تقع في البحرين أو أن تستغل بعض الأطراف التدخل العسكري في البحرين بالصورة التي شهدناها لا لمقاومة النعرات الطائفية في دول الخليج وإنما لإذكائها وصب الزيت على جمرات نارها المدفونة تحت الرماد، ما يؤدي إلى هز استقرار المنطقة وإغراقها في حروب أهلية طائفية، قد تتطور إلى حرب إقليمية تنجر إليها إيران على وجه التحديد، وإنْ جادل بعض المراقبين بانه لا يستبعد ان يكون هناك مخطط ما لتفجير مواجهات طائفية في منطقة الخليج، لإشغال الجماهير العربية بها وبما يؤدي إلى إجهاض الثورات الشبابية الإصلاحية التي تكتسح بقية المنطقة العربية حاليا، وتطالب بإسقاط أنظمة ديكتاتورية قمعية فاسدة واستبدال أخرى ديمقراطية بها تحترم حقوق الإنسان وتكرس حكم القانون وتحقيق العدالة الاجتماعية وإطلاق التعددية السياسية.

 وتخبرنا الشواهد التاريخية أنه عندما تتعرض دولة ما لغزو خارجي يريد إطاحتها أو احتلالها تطلب المساعدة العسكرية كملاذ أخير حفاظاً على سمعتها أو سيادتها أو هيبتها أمام شعوبها, وهذه الحالات كلها لا تنطبق على البحرين، وإن جادل البعض بأن هؤلاء من أبناء الطائفة الشيعية الذين يشكلون 72 % من سكان البحرين البالغ عددهم 600 ألف نسمة وان قطاعاً منهم رفع صور الخميني أثناء المظاهرات للتدليل على ولائهم لإيران، وهذا كله صحيح، ولكن إذا كان قطاع من هؤلاء له مظلمة ما فمن واجبنا ان نستمع إليهم ونحاورهم ونتفهم مطالبهم ونقدم حلولا لها، ولعلنا نتذكر أن البعض رفع صور الرئيس الأمريكي جورج بوش وأطلق آخرون اسمه على مواليدهم لدوره في تحرير الكويت مع ما هو معروف لدى كثير من المطلعين عن دوره في دعم المرحوم صدام حسين عند غزوه الكويت.

 وبالنظر إلى التصريحات الصادرة العالمية والإقليمية والمحلية فقد تفاوتت هذه التصريحات، حيث أعرب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن قلقه من دخول قوات تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي إلى البحرين التي تشهد احتجاجات شعبية تطالب بالإصلاح السياسي والاقتصادي تحولت إلى مواجهات مع قوات الأمن. وصرح الرئيس الإيراني محمود نجاد بأنها خطوة مقدر لها الفشل في نهاية المطاف. وأعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية ان دخول قوات تابعة لدول مجلس التعاون الخليجي إلى البحرين لن يؤدي إلا إلى جعل المسألة أكثر تعقيداً كما أكد المتحدث على ان الشعب البحريني لديه مطالب مشروعة يعبر عنها سلميا ويجب تجنب الرد عبر العنف على هذه المطالب المشروعة، كما أشارت تركيا إلى ان دخول قوات خليجية زاد من حساسية الوضع الراهن.

 ويمكن القول ان الشيخ علي سلمان الأمين العام لحركة الوفاق التي تمثل التيار الشيعي بالبلاد الذي ندد بالهجوم على دوار اللؤلؤة وقال انه “عمل عسكري” و”يشبه ما يقوم به النظام الليبي وان الجيش البحريني لا يتعاطى مع الشعب كأنه شعبه بل كأنهم أعداء”، عندما دعا في تصريحاته المحتجين إلى عدم المواجهة مع قوات الأمن والمحافظة على أرواح الجميع، مؤكدا على سلمية الانتفاضة ومعتبرا ان “الحل لا يخرج من أفواه الدبابات والبنادق، وان الحل بين شعب وحكومة يجب ان يأتي بالأطر السلمية.

 الخلاصة

 يعد الهروب من الإصلاحات السياسية التي يطالب بها الشباب العربي، بتفجير خلافات مذهبية وإذكاء نيران الفتنة الطائفية توجهاً خطيراً جداً وربما يعطي نتائج عكسية تماما.

 الاصطفاف المذهبي الذي تعمل بعض الحكومات على تكثيفه وتعميق جذوره، مدعومة بأرصدة مالية هائلة وعلاقات دولية راسخة خاصة مع القوى الغربية، ربما يفوق خطره في الإطاحة بأنظمتها خطر التجاوب مع مطالب الإصلاح الشعبي المتنامية.

 الخاتمة

 ان السبيل الى الحل – وكما هو الحال في البحرين كنموذج – لا بد أن ينبع من الداخل عبر المساواة والعدالة وترسيخ أسس المجتمع المدني وحكم القانون، وإلا فالذي أخشاه أن يؤدي تجاهل مطالب الشعوب المشروعة إلى تعقد الأمور وتفريخ مشاكل أخرى أكثر خطورة، من بينها هز استقرار المنطقة وتهديد هويتها العربية وتفتيت وحدتها الوطنية.

Comments

2 responses to “البحرين.. نحو نزع حقيقي لفتيل التوتر”

  1. غازي القطري

    نظرة عقلانية متزنة حريصة على مصلحة الأمة. لكنها تظل مع الأسف كقطرة ماء في بحر لجي. فأينما اتجهت لا ترى إلا أصوات تتعالى بالويل والقبور وعظائم الأمور على الشيعة في الخليج بحجة أنهم طابور خامس وفقط لأنهم يطالبون بحقوقهم المشروعة في أن يكون لهم صوت

    غازي القطري Avatar
  2. مقال جميل يعبر عن عقل صاحبه ومع هذا وجدت لزاما أن ابين ان صورة الخميني لم ولن ترفع مطلقا في ثورة البحرين والصورة التي انت شاهدتها هي صورة قديمة لمسيرة في البحرين خرجت للاحتفال بعيد القدس آخر جمعة من رمضان وكانت تمجد في رموز حزب الله وحماس والشيخ أحمد ياسين وكل رمزيات مقاومة الاحتلال الاسرائيلي وصور الخميني ترفع لأنه صاحب الفكرة. اما ثورة اللؤلؤ في البحرين فقام بها أكثر من 350 الف وهي موضوع آخر فأرجوا أن لا ننجر إلى فبركات الحكومة العاجزة عن مواجهة منطق الثورة وهو نفسه اسلوب القذافي الذي يتهم الليبين الثائرين بالانتماء الى تنظيم القاعدة

    علي Avatar

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *