مقالات

المسؤولية الاجتماعية بين الحكومة والقطاع الخاص

المسؤولية الاجتماعية بين الحكومة والقطاع الخاص

 

تركي بن فيصل الرشيد

لا يختلف اثنان على أن الشركات التجارية والاقتصادية والمالية – الوطنية والدولية على حد سواء – ليست شركات خيرية، وأن هاجسها الأول هو تحقيق أكبر عائد من الربح على أصحابها، من هنا استوجب الأمر ضرورة تذكير تلك الشركات بمسؤولياتها الاجتماعية والأخلاقية، حتى لا يكون تحقيق الربح عائداً من أمور غير مقبولة أخلاقياً أو قانونياً كتشغيل الأطفال والإخلال بالمساواة في الأجور وظروف وشروط العمل والحرمان من الحقوق الأساسية للفرد. علاوة على ذلك، فإن الدور الرئيس الذي تلعبه الشركات كونها المصدر الرئيس للثروة وتوليد فرص العمل يحتّم عليها القيام بواجباتها الاجتماعية وفقاً للمفاهيم الحديثة.

من هنا ظهر مفهوم المسؤولية الاجتماعية وإن اختُلف في تعريفه باختلاف وجهات النظر في تحديد شكل هذه المسؤولية، بين من يراها بمثابة تذكير للشركات بمسؤولياتها وواجباتها إزاء مجتمعها، وآخرين يرون أن مقتضى هذه المسؤولية لا يتجاوز مبادرات اختيارية تقوم بها الشركات بإرادتها المنفردة تجاه المجتمع وفريق ثالث يعتبرها صورة من صور الملاءمة الاجتماعية الواجبة على الشركات.

وحتى وقتنا الراهن، لم يتم تعريف مفهوم المسؤولية الاجتماعية تعريفاً يكتسب قوة إلزام قانونية وطنية أو دولية رغم الحاجة لذلك، ولا تزال هذه المسؤولية في جوهرها أدبية ومعنوية، أي أنها تستمد قوتها وقبولها وانتشارها من طبيعتها الطوعية الاختيارية. وقد اكتسب الدور الاجتماعي للشركات والقطاع الخاص أهمية متزايدة بعد تخلي الحكومات عن كثير من أدوارها الاقتصادية والخدمية التي وازتها بطبيعة الحال برامج اجتماعية كان ينظر إليها على أنها أمر طبيعي ومتوقع في ظل انتفاء الهدف الربحي للمؤسسات الاقتصادية التي تديرها الحكومات، وإن كانت في كثير من الأحيان تحقق إيرادات وأرباحاً طائلة.

ونجاح قيام الشركات بدورها في المسؤولية الاجتماعية يعتمد أساساً على التزامها بثلاثة معايير هي: الاحترام والمسؤولية تجاه العاملين وأفراد المجتمع، دعم المجتمع ومساندته، حماية البيئة سواءً من حيث الالتزام بتوافق المنتج الذي تقدمه الشركة للمجتمع مع البيئة أو من حيث المبادرة بتقديم ما يخدم البيئة ويحسن من الظروف البيئية في المجتمع ومعالجة المشاكل البيئية المختلفة. ومن هذا المنطلق تبنى الاتحاد الأوروبي إستراتيجية وأصدر قوانين تزاوج بين الاقتصاد والمجتمع والبيئة والتنمية المستدامة، إلى جانب تنوير العميل لكي يساعد الشركات التي تلتزم بتلك المعايير، وتبنى شعار الوردة لكي ترسخ الصورة في أذهان السكان.

ومع هذا التوجه العالمي كثر الجدل بين الخبراء والأكاديميين والباحثين من مؤيدين ومعارضين، إذ يشير البعض إلى أن المسؤولية الاجتماعية تفيد الشركة على المدى البعيد من عدة طرق لا تحسب بحساب الربح والخسارة السريع. ويرى آخرون أن المسؤولية الاجتماعية لا تدخل ضمن حساب الربح والخسارة، وعليه يجب ألا تدخل ضمن المسؤوليات التجارية، فيما يعتقد البعض أن الموضوع مجرد تجميل زائف للشركة وآخرون يرونه تخفيفاً للعبء واللوم على الحكومة التي يجب أن تقوم بهذه الأعمال والمسؤوليات، فالمسؤولية الاجتماعية هي مسؤولية الحكومة، حيث إنها تجني الضرائب والرسوم من القطاع التجاري لذا فهي مسؤولية الحكومة.

وفي دولنا الخليجية قامت البحرين والكويت والإمارات وعمان باعتماد المعايير العالمية الجديدة المتضمنة معايير المسؤولية الاجتماعية، بتضمين أربعة جوانب أساسية للمسؤولية الاجتماعية وهي الجانب الثقافي والجانب الاجتماعي الحضاري والجانب البيئي والقانوني وشروط أخرى متعلقة بالتنمية الاقتصادية، أما السعودية فتحاول تطبيق المعايير الخاصة بها.

وعلى رغم الدور الواسع للحكومات في دول الخليج في الرفاهية والتنمية والرعاية الاجتماعية فقد تواصلت فيها المساهمات التنموية والاجتماعية للأفراد والشركات، وعندما حققت هذه الدول تقدماً اقتصادياً بدأ الدور الاجتماعي والتنموي لمجتمعاتها وشركاتها يتعدى إلى المجتمعات والدول الأخرى في جميع أنحاء العالم، ويمكن اليوم ملاحظة مئات الآلاف من المساجد والمدارس والمراكز الطبية وآبار المياه والمشروعات الإغاثية والتنموية بتمويل مجتمعي فردي ومؤسسي خليجي.

ورغم ضخامة حجم القطاع الخاص السعودي، إلا أن حركة “عجلة ” المسؤولية الاجتماعية لهذا القطاع ما زالت بطيئة، ولا تساير حجم نمو نشاطه وأرباحه الطائلة. وتعود محدودية دور الشركات السعودية إلى أسباب كثيرة، يأتي في مقدتمها ضعف الوعي إن لم يكن غيابه لدى الكثير من الشركات بالمسؤولية الاجتماعية والخلط بينها وبين العمل الخيري، على رغم الأرقام الاقتصادية المرتفعة في المملكة حيث يقدر عدد المنتسبين في جميع الغرف التجارية بالمملكة بحولي 100 ألف منتسب.

كما بلغ عدد السجلات التجارية في المملكة بحولي 600 ألف سجل تجاري، وتوضح مصلحة الزكاة والدخل أن حصيلة الزكاة خلال الثلاث سنوات الماضية بلغت 11 مليار ريال وهي تخصص بالكامل للضمان الاجتماعي، كما أنها حصلت على إيرادات ضرائب الدخل على الشركات العاملة في مجال البترول وإيرادات ضرائب الدخل على الشركات الأجنبية الأخرى بمبلغ 300 مليار ريال خلال السنوات الثلاث الماضية.

أخيـراً:

مع تعاظم هذا الدور للشركات يجب عليها الإفصاح في ميزانياتها عن حجم الأعمال الخيرية والمسؤولية الاجتماعية، كما يجب أن تخضع لقوانين واضحة وضوابط لكي لا يترك المجال لسوء النية، مع توافر البيئة الملائمة، فالقوانين والتشريعات مهما كانت محكمة فإنها لا تحمي المجتمعات والحقوق ولا توفر وحدها الأمن والثقة، ولكنها حين تعمل في بيئة أخلاقية فإنها تحقق كفاءة عالية في التنمية والإصلاح.  

ختامـاً:

لكي يتم تفعيل دور الشركات يجب أن تعطى تلك الشركات الحرية في إعطاء جزء من زكاتها أو ضرائبها أو الحق بتوزيعها وصرفها بحسب قائمة المستفيدين المعتمدة من قبل الدولة وهذا مطبق في العديد من الدول، فالقانون المصري على سبيل المثال بحسب المادة 23 من قانون الضرائب الحالي ينص على الحق بخصم التبرعات والمنح بحد أقصى 10% من إجمالي الدخل الخاضع للضريبة.

كما من الضروري لتعميق وتأصيل مفهوم المسؤولية الاجتماعية وتحفيز قطاع الأعمال لتبني برامج منظمة في خدمة المجتمع وتبني مشروع وطني لخدمة المجتمع يقوم بتنفيذه القطاع الخاص، إضافة إلى تحديد المعايير والجمعيات والهيئات والجامعات التي ستستفيد من حق الانتفاع لتفعيل العمل في مجال خدمة المجتمع، وإعطاء كل شركة أو مؤسسة تجارية الخيار لمن تدفع زكاتها، لكي يتم التفاعل الاجتماعي، شريطة أن تتقيد بقائمة موافق عليها من وزارة المالية للمؤسسات والجامعات. 

 

نشر في جريدة الوطن السبت الموافق 10/07/2009م العدد (3207)




Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*
*