فاجأت الحرب الروسية على أوكرانيا ليس العالم فقط الذي لم يتوقع أن ينفذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هجومه، ولكنها قد تكون فاجأت بوتين نفسه الذي باعتقادي لم يُرد هذه الحرب، بل كان هدفه التهديد فقط؛ بغية أن يجد من يلتفت إلى مخاوفه ويفاوضه على ضمانات تكفل أمن حدوده، فكان متردداً كثيراً في خوضها؛ مخافة الفخ المنصوب له فيها ولما لهذه الحرب كذلك من تداعيات على الداخل الروسي وعلى مكانته شخصياً، غير أنه وجد نفسه في موقع المضطر لخوضها مع تجاهل الغرب لتحركاته رغم حشده هذا العدد الهائل من القوات والمعدات على الحدود بينه وبين أوكرانيا.

غير أن تداعيات هذه الحرب لم تقتصر على الدولتين المتحاربتين، بل امتدت لتشمل العالم بأكمله، خاصة مع اتساع المدى الزمني للحرب التي أرادها بوتين خاطفةً تنتهي خلال أيام، قبل أن يفاجئه الأوكرانيون ومن خلفهم الغرب باستعدادهم وتجهزهم لمعركة استنزاف طويلة.

ولعل أبرز هذه التداعيات إثارةً للقلق هو ما ارتبط بالأمن الغذائي للدول، حيث عاد مفهوم الأمن الغذائي وأهميته وكيفية تحقيقه للواجهة ودائرة الضوء من جديد، وذلك مع ارتفاع أسعار العديد من السلع الإستراتيجية أو ندرتها بالأسواق، وهنا برز الحديث عن مدى استعداد كل دولة لمواجهة أزمة كهذه، خاصةً أن الدولتين المتحاربتين من أكبر المصدرين لسلع رئيسية كالنفط والغاز والقمح والزيوت، إضافة لإيقاف العديد من الدول تصدير العديد من سلعها الأساسية لتوفير احتياجات سوقها المحلي ومواطنيها من هذه السلع، وهو ما تسبب بارتفاع أسعارها عالمياً.

ومما زاد الأمر صعوبة أن العالم لم يكن قد استفاق بعد من أزمة وباء “كوفيد 19” وما سببه من خسائر فادحة لاقتصادات الدول كافة، فقد قدرت المنظمات الدولية عدد الذين يعانون من الجوع حول العالم بأكثر من 800 مليون شخص إلى جانب اقتراب 45 مليوناً آخرين من حافة الجوع العام 2021 بسبب جائحة كورونا وانكماش الاقتصاد جراء الإغلاق.

وفيما يخص منطقتنا العربية، أشار تقرير المنظمة العربية للتنمية الزراعية فى أبريل 2021 إلى اتساع حجم تداعيات جائحة كورونا على الأمن الغذائي العربي، بسبب تضعضع سلسلة الإمداد الغذائي وصعوبة الوصول إلى الأسواق نتيجة الإغلاق وتقييد حركة العمالة ونقص المساحات المزروعة محلياً وعالمياً، وقدرت المنظمة تأثير جائحة كورونا على الفقراء بزيادة أعدادهم إلى أكثر من 8 ملايين شخص في المنطقة العربية.

وحالياً كل المؤشرات على الساحة العالمية من حروب ومناطق توترات توشك أن تشتعل وجفاف وفيضانات وتغير مناخي كل ذلك ينذر بأن العالم مقبل على أزمات غذائية مستفحلة، يرتفع معها هاجس الأمن الغذائي وتسابق الدول إلى استيراد وتخزين كميات كبيرة من الغذاء لفترات طويلة، ومعها تظهر تحكمات الدول الكبرى، التي لا ينبغى أن نترك أنفسنا فريسة لها، ولعلنا نذكر يوم رفعت أمريكا بمنتصف السبعينات من القرن الماضي أثناء أزمة الغذاء شعار “انتهاء عهد الطعام الرخيص” وشعار “لا وجبات مجاناً” عندما فرضت شروطاً قاسية على الاتحاد السوفيتي سابقاً وطالبته بدفع قيمة استيراده الحبوب بأسعار مرتفعة وبالذهب، وكذلك نذكر سياسة “الغذاء مقابل النفط” التي انتهجتها الولايات المتحدة بعد حرب العراق وإلزامها بدفع تعويضات فى شكل نفط مقابل توفير الغذاء للعراقيين، وكل ذلك يدعونا إلى بذل أقصى طاقتنا لتأمين غذائنا وامتلاك قرارنا.

إن وطننا العربي مطالب بالتحرك سريعاً نحو تأمين أمنه الغذائي بطرق علمية ومبتكرة، غير أن تضارب المصالح الوطنية والإقليمية والقومية فى الوطن العربي بسبب تعدد الدول واختلاف نظمها الاجتماعية والسياسية وارتباطاتها بالدول الغربية يتناقض مع مبدأ تحقيق الأمن الغذائي العربي الشامل ومبدأ تحقيق الأمن الغذائي المتكامل رغم توفر إمكاناته كافة.

لذلك ونظراً لصعوبة تحقيق الأمن الغذائي الكامل لكل دولة من عالمنا العربي على حدة فإنه ليس أمام دولنا العربية إلا تحقيق الأمن الغذائي النسبي، عبر إنتاج 30% من احتياجاتها الغذائية محلياً داخل كل دولة واللجوء إلى الاستيراد والاستثمار فى دول عربية ومجاورة مع تقصير مسافات استيراد الغذاء وتنويع مصادره، اتقاءً للتقلبات المناخية والسياسية فى العالم.

وعليه لابد من إعادة النظر فى كثير من التحديات والأوضاع ومراجعة الخطوات التى اتخذت سابقاً من أجل تحقيق الأمن الغذائي العربي، والمسارعة في خطوات عاجلة منها تنفيذ مبادرة الملك عبدالله ومراجعة دور الهيئة العربية للاستثمار الزراعي والصناديق العربية المسؤولة عن تمويل وضمان الاستثمار الزراعي والغذائي، وضرورة توزيع الأدوار بين الدول العربية وتطوير البحوث المحلية والإقليمية لإنتاج تقانات ملائمة للبيئة وللموارد الطبيعية والبشرية المتاحة.    

نحن بحاجة من أجل تحقيق الأمن الغذائي النسبي في دولنا العربية إلى إعداد الكوادر القادرة على الإدارة الرشيدة وإعداد استراتيجية التنمية الزراعية المستديمة على أن تشمل برنامجاً للاستثمار الزراعي الاستراتيجي المحلي لإنتاج 30% من احتياجات البلاد من الغذاء وتوزيع الأدوار بين صغار وكبار المنتجين إضافة إلى برامج الإدارة الإستراتيجية الرشيدة لموارد إنتاج وتصنيع وتسويق الغذاء ولموارد المياه واستخداماتها وللمخاطر والأزمات

نحن بحاجة من أجل تحقيق الأمن الغذائي النسبي في دولنا العربية إلى إعداد الكوادر القادرة على الإدارة الرشيدة وإعداد استراتيجية التنمية الزراعية المستديمة على أن تشمل برنامجاً للاستثمار الزراعي الاستراتيجي المحلي لإنتاج 30% من احتياجات البلاد من الغذاء وتوزيع الأدوار بين صغار وكبار المنتجين إضافة إلى برامج الإدارة الإستراتيجية الرشيدة لموارد إنتاج وتصنيع وتسويق الغذاء ولموارد المياه واستخداماتها وللمخاطر والأزمات، إضافة إلى التكامل بين الدول فيما يتعلق بالاستثمار الخارجي وفق الميزات التفضيلية للبلاد وزيادة المواعين ومخازن الغذاء ومدخلات الإنتاج والنفط واستخدام الطاقة البديلة المتجددة الشمسية وطاقة الرياح وإعادة توزيع الاستثمارات الزراعية غير الاقتصادية بين دول التكامل الزراعي والاقتصادي فى إنتاج الغذاء الطازج والمصنع وزيادة الوعى المجتمعي حول مفاهيم تقليل هدر الغذاء وفاقد الحصاد وفاقد المخزون الغذائي. 

وختاماً فإن الحرب الروسية الأوكرانية عادت علينا بأثر مباشر مع ارتفاع أسعار النفط والغاز، لكنها في المقابل لفتت إلى أهمية الأمن الغذائي وضرورة السعي وراء الاكتفاء الذاتي والتحول إلى دولة منتجة تعتمد على نفسها في سد احتياجاتها ورفع إيراداتها غير النفطية، لنضمن أن رفاهية المواطن مستقبلاً تستند إلى أساس متين بعيداً عن تقلبات السياسة وأسعار النفط ومدى الحاجة له مستقبلاً.

مقال مشترك

د. تركي الفيصل الرشيد و د. علي عبدالعزيز صالح

 

 

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.