مقالات

نظرة مستقبلية على الولايات المتحدة

نظرة مستقبلية على الولايات المتحدة

 

تركي بن فيصل الرشيد

  خلال العقود الماضية ربط كثيرٌ من الزعماء والقيادات والمفكرين في عالمنا العربي، جميع خططهم المستقبلية مع رغبات ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية وتركوا الحلول بيد أمريكا وأهملوا مكامن القوى الذاتية لديهم وساعدوا في زيادة ارتباطهم وضعفهم.

علما أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة لم تقدم أي شيء حقيقي للمنطقة منذ عقود طويلة، على الرغم من مطالباتها الدائمة والمتواصلة للمساعدات العربية المختلفة، وبشكل خاص في مسار التحالفات والاتفاقيات الأمنية المختلفة. قد نجد العذر لذلك في السابق خاصة أن العالم كان ذي قطب واحد.

ولكن ما هي ملامح المستقبل وكيف يمكن أن نبدأ بوضع المخططات المستقبلية الاقتصادية والسياسية؟ دعونا نبدأ برسم الصورة لاستكمال لوحة التفكير الاستراتيجي الذي أحاول أن أطرحه في السطور التالية مع اعترافي بأنني أقدم هنا عينة مختصرة جدا وغير وافية.

الملامح الاقتصادية:

 الإدارة الأمريكية سوف ترث أسوأ كارثة اقتصادية منذ الكساد العظيم.والذي بدأ بالانهيار في عام 1929 وفي عام 1933 فقدت الأسهم الأمريكية 89% من قيمتها ونقص الاقتصاد بنسبة الثلث وأفلست الكثير من البنوك ووصلت نسبة البطالة إلى 25%. حين ذلك قامت إدارة روزفلت بزيادة المصاريف الحكومية وأصدرت الكثير من القوانين الصارمة وزادت الضرائب. ولكن الحرب العالمية هي التي أنقذت الاقتصاد الأمريكي مع العلم أن خطط روزفلت حققت نجاحاً سياسياً باهراً ولكن ليس اقتصاديا.

أما زلزال الأزمة المالية العالمية الحالية فقد أفقد الأسهم الأمريكية 40% من قيمتها وبلغ معدل البطالة 7% وهي في صعود.

 تميل إدارة باراك أوباما إلى نفس حل إدارة روزفلت. علما أن العجز المالي بلغ 1.2 تريليون دولار لهذا العام بما يعادل 8% من إجمالي الاقتصاد الأمريكي ويرغب الرئيس أوباما في ضخ مبلغ إضافي قدره تريليون دولار تقريبا بما يعادل 5 إلى 7% من الناتج القومي، لا نية لزيادة الضرائب، سوف يتم الحصول على الأموال عن طريق الاقتراض من الأسواق الداخلية أو الخارجية أو بطبع المزيد من الدولارات وسوف يكون لذلك ثمن باهظ على الاقتصاد الأمريكي ولا توجد أدلة سابقة في التاريخ بأن الإنفاق الحكومي يحرك الاقتصاد. إدارة أوباما تخاطر مخاطرة عالية بمستقبلها ومستقبل البلاد، إذا فشلت في تحريك الاقتصاد وزاد التضخم فلن تبقى أمامهم حلول أخرى.الدولار ليس مغطى أو مضمونا بأي شيء سوى الاقتصاد الأمريكي. العجز الأمريكي بلغ أكثر من 11 تريليون دولار ولمعرفة حجم هذا المبلغ فهو يعادل 11 ألف كيلو متر طوليا من فئة الدولار حيث يمكن صناعة رصيف على كلا المسارين من الطريق من شرق المملكة إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها فهل من الحكمة أن نربط اقتصادنا واحتياطنا مع الأسواق الأمريكية فقط؟

الملامح العسكرية:

دخلت الولايات المتحدة ثلاثة حروب خاسرة في الصومال وأفغانستان والعراق. وتحتاج الحكومة الأمريكية إلى مبالغ طائلة وغير متوفرة لتطوير وتحديث قدراتها العسكرية وكذلك إلى تطبيق نظام التجنيد الإجباري لتوفير الجنود وتعاني القوات المسلحة من نقص شديد في أعداد الملتحقين بالخدمة العسكرية. اختارت إدارة بوش العراق وأفغانستان، الحاضن لأهم مخزونات الطاقة، ميدانا لتثبيت إستراتيجية الهيمنة التي لم تكن لتتوقف عند حدود أفغانستان والعراق، لولا نجاح قوى المقاومة السنية العراقية في ردعها وعرقلة هجومها الاستراتيجي لإعادة تشكيل المنطقة. وفي المحصلة نقف الآن أمام مشهد لم تتحقق فيه الهزيمة الكاملة بعد لمشروع الهيمنة الأمريكي وأدواته في منطقتنا، ولكن بالتأكيد تمكنت القوى المجابهة له من إدخاله في حرب استنزاف مكلفة، عرقلت قدرته على التمدد وأربكت أدواته الإقليمية.

حسب رأي زبيغنيو بريجنسكي أنه يجب التأثير على منطقتنا أو السيطرة عليها ويتوجب على الولايات المتحدة الأمريكية إذا أرادت النجاح في ذلك اعتماد القوة الناعمة إلى جانب القوى الخشنة ويعتبر أن عولمة الاقتصاد والإفراط في استخدام القوة الخشنة أحدثا ردات فعل سياسية واجتماعية تحمّّل الولايات المتحدة المسؤولية تبعاتها وتشكل أحد أهم أسباب الغضب والعداء على مستوى عالمي ضد الولايات المتحدة. مما لاشك فيه أن صورة أمريكا في المنطقة في الوقت الراهن قد ازدادت سوءا وتدهورا في العالم العربي، نتيجة للمذابح الهائلة التي تحدث في غزة الآن.

التفكير الاستراتيجي:

يتوقع البعض أن إدارة باراك أوباما ستكون في صياغتها لإستراتيجيتها القادمة أقرب إلى المدرسة الليبرالية المثالية، مع تطوير انتقائي لها، وستكون الإدارة مضطرة إلى اعتماد إستراتيجية تمزج بين جوانب من المدرسة الواقعية المحافظة والمدرسة الليبرالية المثالية، بواقع الاضطرار وليس الرغبة. في محاولة لتحقيق هدف أن تكون أمريكا أذكى وأكثر أمانا، أو بعبارة مختصرة تطبيق فكرة القوة الذكية.

مستقبل الحكومة الفدرالية:

يتوقع البروفسور الروسي(Igor Panarin أيجور بانريان ) أن تتفكك الولايات المتحدة إلى 6 أجزاء خاصة بمرور الوقت واكتشاف أن الأزمة الاقتصادية أسوأ بكثير ولا يمكن لإدارة أوباما معالجتها. ويعلل ذلك بعدة أسباب منها أن الأزمة المالية سوف تزداد سوءاً والولايات تطالب الحكومة الفدرالية بمبالغ لتغطية الخسائر الفادحة لمواطنيها والعاطلين عن العمل فسوف تبدأ الولايات الغنية مثل نيويورك وكلفورنيا بخفض المال وعدم إعطائه إلى الحكومة الفدرالية مما قد يتسبب في اندلاع حروب أهلية.

أخيـراً:

كل هذه العروض هي محاولة مني إلى تقديم توصيات واضحة قد تساهم بشكل أو بآخر في مساعدة صاحب القرار لتبني بعض ما ورد فيها من منظور شمولي يحقق المصلحة العامة.مع علمي أن من يعرض عقله على الناس يجب أن يتحمل ويتوقع كل شيء لأنه ببساطة إذا لم يرد ذلك عليه أن يصمت. عسى أن تلقى هذه الأفكار العين البصيرة والأذن الصاغية.

الخلاصـة:

المنطقة مقبلة على فراغ سياسي وهزات مالية واجتماعية عنيفة وسوف نكون نحن في وسط العاصفة.الأفراد والمجتمعات والدول تحاول في بعض الأحيان أن تتجاوز مراحل النمو والتطور وتحاول أخذ الطرق السريعة بالقفز على الحواجز باستعمال عصا طويلة وغالبا ما تكون النتيجة مدمرة أو مكلفة وغالبا خاسرة. لا مخرج لنا، إذا أرادنا الخروج من مأزقنا الصعب، إلا بامتلاك مقومات القوة، وهو حتمية امتلاك مقومات القوة الشاملة. المطلوب هو التفكير الموضوعي الذي يقرر ما يراه حقيقة من دون تمليح أو تلميع، وهذا النوع من التفكير هو الشرط الذي لا مهرب منه لأية نهضة حقيقية. وأسباب القوة الضرورية ليست سوى معركة الحضارة قبل أية معركة أخرى. وأمامنا شعوب شرقية قامت بذلك مثل اليابان والصين والهند وهي تمثل أبرز الأمثلة.

 إن كل أمة من هذه الأمم التي أشرت إليها آنفاً اختارت النهج المناسب لظروفها مع نهج التحديث الذي لا بد منه، ويجب أن نحاول ونكرر المحاولة حتى نحقق أهدافنا. ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم “. وهو الشرط الأهم للتغيير.

 

نشر في جريدة الوطن السبت الموافق 17 يناير 2009م العدد (3032)




Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*
*