اقتباس من وسائل الاعلام

هل انتصرت القاعدة و تنظيم الدولة الاسلامية داعش على اقوى دولة في العالم و هي الولايات المتحدة ؟

د. تركي الفيصل الرشيد

سؤال يتم طرحه من قبل الكثير من المختصين . الان جاءنا تصريح مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، جون برينان،  يعترف بفشل جهود التحالف الدولي الذي تقوده بلاده في قتال تنظيم الدولة و تقليص قدرة التنظيم على شن هجمات مسلحة. فقد قال “للأسف، على الرغم من كل التقدم الذي أحرزناه ضد تنظيم الدولة في ساحة القتال وفي تقليص مصادر تمويله، إلا أن جهودنا لم تسفر عن تقليص القدرات الإرهابية للتنظيم، وقدرته على التمدد حول العالم”.

العبارات الشائعة او المتداولة بين الناس تقول النجاح يجلب حولة المزيد من النجاح . و قد اثبتت الاحداث ان الارهاب  من أكثر الاستراتيجيات كفاءة و فعالية من حيث قلة تكاليفه لشن حرب عالمية.

ولعلنا نتذكر ان غافريلو برينسيب  المراهق الذي غيّر العالم برصاصتين وقتل الملايين . كان قومي صربي من صرب البوسنة والهرسك . قام باغتيال ولي عهد النمسا الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند وريث عرش الإمبراطورية النمساوية المجرية، وزوجته صوفي دوقة هوهنبيرغ، وهو يتجول في سراييفو بسيارة مكشوفة مع زوجته، الأمر الذي أدّى إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى . و انتهت بتقسيم و زوال الإمبراطورية النمساوية المجرية .

عندما  نستعرض نتائج هجمات سبتمبر قام بها 19 رجل , على أربعة مباني حكومية امريكية . تسببت بتغيير السياسة الخارجية للولايات المتحدة. و ادخلتها بحروب استنفذت و مزقت مواردها المالية و العسكرية و السياسية . و حطمت رئيس الولايات المتحدة جورج بوش , كما دخلت بالكثير من الصرعات الاهلية و الطائفية و لا يوجد في الافق أي نهاية لتلك الازمات. فقد ارتكبت الادارة الأمريكية بقرار الحرب على الإرهاب، وغزو العراق كارثة ستظل وصمة عار في سجل التاريخ الإنساني، وإن الخلل الحاد في المفاهيم وتغيير المصطلحات التي عطلت منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية في العالم جعل من هذا العالم أكثر رعباً وتوترا، وأكثر وحشية. لقد أحدث الاحتلال الأمريكي في العراق فوضى عارمة في كافة المنطقة  مما أدى إلى ظهور تيارات متناحرة بدعوى الاختلاف والعصبية الدينية بين السنة والشيعة، وأصبحت الأرض ممهدة بطبيعة ما آل إليه الوضع في العراق و دول المنطقة ,  إلى توفر الأسباب والمنطلقات ليتواجد تنظيم القاعدة داخل المعادلة ويجد آذانا صاغية وتعاطفا كبيرا ومتزايدا مع تردي الأوضاع ومشاهد القتلى الأبرياء، واقتحام البيوت على أهلها من جنود المارينز، والذعر الذي نجح الإعلام الأمريكي المصاحب للاحتلال في إظهاره للشعوب جميعاً، باعتباره على حد قول بوش العدالة الأمريكية.

ما قام به عمر متين بقتل المثليين في اورلاندو فلوريدا (ملهى ليلي يرتاده المثليون، في مدينة أورلاندو بولاية فلوريدا، حيث أعلن منفذ الهجوم عمر متين ولائه لتنظيم الدولة.) لم يكلف الكثير و لكن نتائجه كانت كبيرة جدا . فالعالم كله يتحدث عن عمر متين و عن مذبحة أورلاندو, و اتفق المرشح الجمهوري و الديموقراطي ضد المسلمين و الارهاب الاسلامي و هذا ما تسعى اليه القاعدة و داعش .   كل هذا لم يكلف داعش شيئا. الذي قام به متين يتم بصفة يومية  في العراق وسوريا وأفغانستان، ويتم قتل العشرات من الأبرياء وهم يهتفون “الله أكبر!”

قال برينان، أمام جلسة استماع بإحدى لجان الكونغرس الأمريكي، إن التنظيم لا يزال يمثل “تحديا قويا” على الرغم من خسائره على الأرض .  ورأى برينان أن تنظيم الدولة لديه الآن مقاتلون، أكثر مما كان لدى تنظيم القاعدة في أزهى عصوره. أن التنظيم لديه “أعداد كبيرة من المقاتلين الغربيين، الذين يمكن أن يستخدموا في تنفيذ هجمات في الغرب”. وقال برينان: “لتعويض الخسائر والآراضي التي فقدها التنظيم، فقد يلجأ إلى الاعتماد بشكل أكثر على تكتيكات حرب العصابات، بما في ذلك شن هجمات كبيرة خارج الآراضي التي يسيطر عليها”.

الارهاب سوف يغير اهدافه و يحولها الى  داخل الولايات المتحدة، وداخل أوروبا، و يوجد الكثير من يتمنى ان يقوم بما قام به عمر متين لا سباب كثيرة لعل المخدرات و الاحباط جزء كبير منها. و كلما زادت الضغوط على الجالية الاسلامية كلما تحققت اهداف داعش .

يجب ان ندرك جميعا ان محاربة داعش  في العراق وسوريا هو امر ضروري ولكنه ليس شرطا كافيا للفوز في هذه الحرب، داعش  ليست مجرد منظمة ولكن هي حركة، وهي فكرة.

حذر الكثير من الدخول في مغامرات الولايات المتحدة في العراق و سوريا و ها نحن نجني ثمار و تبعيات ما تم في العراق و سوريا . استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية تكمن عبر تاريخ حروبها السابقة، الخاسرة منها على وجه التحديد، في أنها ترفض الاعتراف بالفشل، بالهزيمة، وإذا لم تستطع التخريب الشامل، كما تم في هيروشيما ونجازاكي، فإن لعبة الإعلام وقلب المفاهيم وتحميل الاخرين و خاصة من شارك معها في تلك المغامرات . برغم انه تم اخيراً الاعتراف من قبل القيادة الامريكية  ان داعش هو نتيجة لغزو العراق. وان اكبر الاخطاء التي لا تسببت بكوارث هائلة لا  تزال حتى يومنا هذا. الأول اجتثاث حزب البعث من الوظائف الحكومية. والثاني تسريح الجيش العراقي.

يجب علينا جميعا ان نتذكر إن مبادئ الاحتلال والاستعمار كما يشهد به التاريخ تقوم وتتأسس جوهرياً على الطمع والسيطرة والاستغلال من جهة.. وعدم الاعتراف بإنسانية الآخر وحقه في الحرية والمساواة من جهة أخرى، ويظهر بوضوح خلال ذلك، العنصرية الحادة والصلف.

 إن مسالة مكافحة الإرهاب والتطرف تعد من أكثر الموضوعات تعقيدًا وصعوبة وذلك لعدة اعتبارات لعل أبرزها الرؤية غير المتوازية والمعايير المزدوجة في النظر للإرهاب على أنه إرهاب جماعات وأفراد دون النظر إلى إرهاب الدولة والممارسات القمعية التي تقوم تجاه الشعوب العزل من الأسلحة.

 ختاما

هناك حاجة إلى معالجة التطرف على جميع المستويات، فلا يمكن ممارسة التطرف ضد الآخرين ثم يدعي بعضنا محاربته، فالتطرف كالنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله، ولكي تتم مكافحة التطرف يجب أن تكون المعالجة بنظرة شاملة لمفهوم الأمن عبر تبني استراتيجية تحمي الأمن الداخلي والخارجي للدولة بمختلف طوائفها وأقلياتها، مع معالجة حقيقية لقضايا ملحة كالفقر والبطالة والجهل والفساد التي إذا تم القضاء عليها قُضي على التطرف ذاتيا.




Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*
*