مقالات

الحسابات الختامية لإدارة بـوش

الحسابات الختامية لإدارة بوش 

تركي بن فيصل الرشيد

 

أسابيع قلائل وتنتهي الفترة الثانية والأخيرة من حكم إدارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، وتتولى إدارة أخرى زمام الأمور، ما يثير التساؤل حول الكيفية التي يجب التعامل بها مع الإدارة الأمريكية الجديدة بحسب الواقع وليس الأمنيات التي لا تجدي نفعاً. وحتى لا ننساق- نحن العرب- وراء وعود وخطابات انتخابية من المرشحين الجدد للرئاسة يجب أن ندرك أن هناك سياسات قائمة ستخلفها الإدارة الحالية للإدارة الأمريكية المقبلة التي ستجد نفسها مضطرة للتعامل معها وهو أمر بديهي ومعلوم لكل متابع.

 وبحسب مؤشرات استطلاعات الرأي العام فإن نسبة الرضا عن الإدارة الأمريكية من قبل الشعب الأمريكي خلال 23 شهراً متتابعة هي أقل من 40%، وعلى ذلك فمهما فعلت الإدارة الأمريكية أو مهما حدث في العالم فإن المجتمَعين الأمريكي والدولي قد اتخذا قراراهما بفشل إدارة بوش، حتى إن الحزب الجمهوري حاول تجنُّب ذكر اسمه في حفله الانتخابي، وهذه سابقة نادراً ما تحدث في الولايات المتحدة، ويكفي أن نعرف أنه عندما تولى الرئيس منصبه كانت الحكومة الأمريكية تحقق فائض 2,5% من دخلها القومي، وعندما سيتركها سيكون قد حقق عجزاً قدره 3% من الدخل القومي أي 4 تريليونات دولار من العجز في حسابات الدولة وبذلك فكلا المرشحين للرئاسة باراك أوباما أو جون ماكين سيتجنب سياسات الرئيس السابق وسيتخذ طرقاً سياسية مختلفة تماماً عن إدارة بوش.

وكلا المرشحين يعلم أن الولايات المتحدة بحاجة ماسة لتغيير سياساتها الخارجية والداخلية، حيث انهمكت إدارة الرئيس جورج بوش في محاربة الإرهاب المزعومة، ما كلف الإدارة الأمريكية أثماناً باهظة من أموال وفقدان جنود، والأهم من ذلك هو فقدان هيبة الآلة العسكرية الأمريكية، إضافة إلى ما تشير إليه استطلاعات للرأي من أن كثيراً من أهل الفكر والرأي بما فيهم كبار المثقفين والكتاب الأمريكيين فضلاً عن أناس عاديين يعتقدون أن إدارة بوش افتعلت أو على الأقل ساعدت في كارثة 11 سبتمبر، وسيان إذا كان هذا الاتهام صحيحاً أو غير صحيح، فمجرد تفكير هذا العدد الكبير من الناس بهذه الطريقة يطرح سؤالاً هاماً حول مصداقية هذه الإدارة وما ترتب على ذلك من غزو العراق وإلغاء الاتفاقيات وعدم مشاورة الآخرين واستعمال سياسة القطب الواحد، وهي أمور جرَّت الكثير من المشكلات على الإدارة الأمريكية. ولذلك قامت إدارة جورج بوش خلال السنوات القليلة الماضية بتغيير أو إلغاء أو اتخاذ إجراءات عكس السياسات السابقة، هذا التغيير لم يُحدثه تغيُّر قناعات أو عودة الوعي إلى إدارة بوش، بل العكس صحيح، فقناعتهم ما زالت كما هي ولا تجرؤ الإدارة على الاعتراف بفشلها، والأمر ببساطة أن عدم نجاح هذه السياسات هو ما اضطره لتغييرها، وهذا ما يجب أن نعيه جميعاً.

 من أمثلة تلك السياسات الخاطئة تعيين السيد بول ولفوز من المحافظين الجدد على رغم ضآلة خبرته الاقتصادية رئيساً للبنك الدولي وما لبث أن تم إرغامه على تقديم استقالته بفضيحة، واضطر بوش إلى تعيين رجل ذي كفاءة عالية واحترام عالمي وهو السيد روبرت زوليك.

وكذلك بعدما كان ديك تشيني هو الطفل المدلل للإدارة، الآن إدارة بوش تدار من كوندوليزا رايس و روبرت جيت وستيفان هات لي وهانك بولس ون وكلهم ينتمون إلى الواقعية والمنهجية.

 إذاً هناك تغيير وإن لم يشمل كل جوانب الإدارة، وكان في أضيق الحدود ومتأخراً جداً إلا أنه يمثل التحول إلى الوسط في ملفات السياسة الخارجية الأساسية، مثل ملف العراق وأفغانستان وكوريا الشمالية وإيران.

 ففي شأن التغير الذي طال ملف العراق – الذي تم غزوه رغم رفض الشعب وكانت النتيجة فشلاً ذريعاً، وتدهورت الأمور بفضل المقاومة العراقية ومعها الفضائيات العربية ومواقع الإنترنت وجثث الجنود الأمريكان وثَبُتَ فشل هذا السياسة – قام مسؤولون وعسكريون عدة في الإدارة الأمريكية بالتصرف من تلقاء أنفسهم لمعالجة الوضع بالتعامل مع السنة والقبائل، وأتت هذه السياسة بنتائج جيدة، ما جعل الرئيس يغير من استراتيجيته، خاصة بعد الخسارة الفادحة لحزبه في الانتخابات، وبدأ هذا التغير الجذري بخروج وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد، وبدء التعاون الفعلي مع المقاتلين السنة في العراق ومحاولة التفاهم مع الدول المجاورة.

 وعلى الجبهة الأفغانية تم إرسال مزيد من القوات إلى أفغانستان والتعاون مع القبائل فيها، وزيادة المصاريف العسكرية أكثر من عشرة أضعاف. ومع كوريا الشمالية تم التعاون مع قيادتها لإنهاء الأزمة الكورية وكذلك مع الصين.

وفيما يخص الجبهة الإيرانية تحولت إدارة بوش من وصف إيران بمحور الشر والمواجهة العسكرية إلى المفاوضات السياسية، وبدا ذلك واضحاً بعد جلوس المفاوض الأمريكي الفعلي على طاولة المفاوضات مع إيران، والملاحظ أن الرئيس بوش في كلمة له أخيراً أمام جامعة الدفاع الوطني لم يذكر اسم إيران ويتوقع محللون أن هذه بادرة لتهدئة الأوضاع مع إيران وإمكانية عقد اتفاقية معها.

وفي جانب السلام الفلسطيني الإسرائيلي تعهد الرئيس بوش عندما تولى منصبه بألا يتدخل في الصراع مثلما فعل الرئيس بيل كلنتون لكنه الآن يحاول جاهداً مع الإدارة للوصول إلى سلام، وساعد في ذلك الفشل الإسرائيلي في غزو لبنان وهذه أحد التغيرات الإيجابية لإدارة بوش.

أخيـراً:

بدأت إدارة بوش ولو متأخرة في التعاون مع القوى الاقتصادية الصاعدة مثل الصين والهند والبرازيل ومحاولة إشراكهم في المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي ومؤتمر قمة الدول الصناعية لكي يتحملوا مسؤولياتهم الدولية الجديدة والسؤال… أين نحن من هؤلاء؟

إن هذا العرض لإيجابيات إدارة بوش وسلبياتها ليس هدفاً لذاته، وإنما محاولة لمعرفة الوضع كما هو في بداية 2009 والتصرف بما تمليه مصالحنا وطموحاتنا، ولنعلم أنه لا عزيز لدى الولايات المتحدة فقد تخلت عن برويز مشرف بعدما انتهت مصالحها معه وقدمت لإيران حفنة مغريات لإرضائها وإغرائها بالتخلي عن برنامجها النووي ولو كان هذا العرض السخي على حساب الدول الخليجية.

الخلاصـة:

أتمنى من قادتنا العرب وكتابنا أن يتحروا المنطق والعقلانية والواقعية، وأن يبحثوا لهذه الأمة عن آلية تجمعها وتخرجها من طور التشرذم الذي حيّدها عن صنع القرارات أو المشاركة فيها. كفانا انتظارا لهبوط أو صعود الآخرين وجعل ذلك أمنية نزين بها مقالاتنا فنوهم أنفسنا وأمتنا بأن العز سيأتي لنا، من دون أن نسعى إليه، فالعز في وحدتنا وتغليب مصالحنا القومية على المصالح الشخصية، ولنعلم أن العبرة بمن يقرأ الأحداث مبكراً ويقرأها جيداً.

 

نشر في جريدة الوطن الاثنين الموافق 6 أكتوبر 2008م العدد (2929)




Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*
*