مقالات

أسواقنـا وشركاتنـا… مَن لهـا؟

 أسواقنا وشركاتنا… مَن لهـا؟ 

تركي بن فيصل الرشيد

يطرح التدخل المباشر والقوي من قبل الحكومات الأمريكية لحماية أسواقها وشركاتها سؤالاً مفاده: أين تنفيذيونا من التدخل لحماية شركاتنا وأسواقنا؟ إذ يتذرع بعض التنفيذيين والاقتصاديين لدينا في عدم التدخل بأن هذا هو مبدأ السوق الحر، في الوقت الذي نرى زعماء السوق الحر ( أوروبا وأمريكا ) يدعمون وينقذون مؤسساتهم وشركاتهم عندما تتعرض لانهيارٍ أو أزماتٍ.

 في العالم الغربي والأمريكي عندما توشك شركة على الانهيار تهب الإدارة لعمل كل ما هو مطلوب لحمايتها مثلما حدث مع شركة كريس لر لتصنيع السيارات أو شركة AIG للتأمين أو شركة فاني ماي وفريدي ماك للتمويل العقاري. أيضاً عندما قامت البنوك بإعطاء قروض ميسرة إلى أناس ليسوا قادرين على الوفاء بدفع الأقساط تم التدخل وأخذ جميع الديون المشكوك فيها، ما مكّن البنوك من مسح الديون المشكوك فيها لمساعدتها على النهوض، والأمثلة كثيرة على أنواع التدخل للإنقاذ مع التزام التأني والهدوء وعدم التصريح بأن هذه الشركات قامت بأخطاء كبيرة – رغم أنها بالفعل ارتكبت أخطاء كبيرة لأن الحال لا تستدعي اللوم بل الإنقاذ.

ولم يتبارَ الاقتصاديون والمسؤولون الأمريكيون في إلقاء اللوم على شركات أو مساهمين وتحميلهم مسؤولية الانتكاسة، فالهم هنا هَمٌّ وطني، والإنقاذ أولى من النقد واللوم.

فيما يخص شأننا الداخلي فكاتب هذه السطور وجميع القراء معه يدركون حجم كارثة انهيار أسواقنا المالية ومصائب مقاولينا ومزارعينا، لذا فإنني في هذه القضية أدعو إلى مناقشة مجتمعية عامة تتمخض عنها حلول لهذه الأزمة القاصمة، حيث إنها ليست الأزمة الأولى، فبالعودة إلى الوراء قليلاً، تحديداً حقبة الثمانينات من القرن المنصرم، كانت هنالك نهضة معمارية ضخمة، وكان هناك الكثير من المقاولين، غالبيتهم مرتبطون بعقود حكومية، فلما انهارت أسعار البترول من 30 دولاراً إلى 8 دولارات تأخرت الكثير من الإدارات في دفع مستحقاتها، مما نتج عنه إفلاس كثير من المقاولين. كما انهارت أسعار العقارات ولم يتم النظر إلى أحوال كثير منهم حتى أُطلق على إحدى الوزارات الحكومية وقتها ” مقبرة المقاولين”.

 وهبَّ كثير من رجال الاقتصاد والمال وبعض التنفيذيين يعللون ويشرحون أسباب انهيار العقارات، وأن المقاولين يتحملون مسؤولية الانهيار كاملة.

 ونتقدم إلى الأمام قليلاً مع بداية التسعينات حيث كان الدعم متجهاً إلى الزراعة والمزارعين، ودخلت شريحة كبيرة من المواطنين للاستثمار في القطاع الزراعي، ولأسباب كثيرة منها خلافات بين بعض الأجهزة التنفيذية تم وقف الدعم عن المزارعين ولم يصرف لكثير منهم مستحقاتهم، ثم بعد سنوات عدة تم إعطاؤهم شهادات بدون فوائد مستحقة الدفع على عدة سنوات، على أن تُخصم منها مستحقات البنك الزراعي وأية مستحقات لجهة حكومية أخرى، مما أدى لإفلاس مزارعين كثر، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل هب الكثيرون يلومون المزارعين على كميات المياه التي أهدروها.

 ومع دخول الألفية الجديدة، بدأت طفرة الأسهم وبدأت البنوك في تمويل الكثير من المواطنين والمواطنات، لتشجيعهم على المضاربات بالأسهم ولأسباب ما زالت مجهولة لدى الكثيرين انهارت أسواق الأسهم ونزل المؤشر أكثر من 70%، ما أدى لتدخل خادم الحرمين شخصياً وبصفة عاجلة في الأمر سعياً إلى إنقاذ المواطنين باتخاذ قرارات وإجراء تغييرات عدة لإصلاح شأن السوق إلا أنه يبدو أن هناك متلاعبين بالسوق من مصلحتهم ألا تنصلح حاله، وما كان من كبار الخبراء والاقتصاديين في المملكة إلا الأخذ في شرح الأسباب المعقولة وغير المعقولة لتصحيح السوق بحسب منطقهم، فسمّوا خسارة السوق لثلثي قيمته تصحيحاً، وأن كل المضاربين هم المخطئون لأخذهم قروضاً من البنوك، وقامت البنوك عند هبوط السوق بتسييل محافظ عملائها لتغطية نفسها، مما أدى لإفلاس الكثير من المواطنين والمواطنات، ولا يزال كثير منهم يدفع فاتورة تلك الانهيارات ثمناً باهظاً.

 ومؤخراً عندما انهار سعر صرف الدولار وخسرت المملكة الكثير من قيمة استثماراتها والتي غالبيتها إن لم تكن جميعها بالدولار قام الكثير من رجال الاقتصاد يتبارون في بيان منطقية المحافظة على سعر ربط الريال بالدولار وسياسات تسعير وبيع البترول بالدولار وكأن هذا دور خبراء ورجال الاقتصاد لدينا.

الخاتمـة:

هي مناشدة ورجاء – خاصة ونحن في العشر الأواخر من هذا الشهر الفضيل.. إلى صاحب القلب الرحيم، إلى المشغول دائماً بهموم مواطنيه والساعي أبداً إلى ما فيه هناؤهم ورفاهيتهم، إلى والد كل السعوديين، إلى خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز باتخاذ التوجيهات والتدابير اللازمة نحو مساعدة الكثير من المواطنين الذين أخذوا قروضاً من البنوك، وبعد انهيار سوق الأسهم تم إفلاسهم وإلزامهم بدفع أقساط مقابل أسهم لا يملكونها وسوف يستمرون بدفع الأقساط لسنوات طويلة. الكثير والكثير من المواطنين ليس لهم بعد الله إلا خادم الحرمين، من مقاولين تمت ترسية المشاريع الحكومية عليهم ثم ارتفعت أسعار مواد البناء ومن مزارعين تضرروا كثيراً من ارتفاع المدخلات الزراعية وشح الديزل مما تسبب لهم بخسائر كثيرة وغيرهم كثير.

 إنه نداء عاجل لكم يا خادم الحرمين بإنقاذ القطاعات الزراعية والمقاولين والمواطنين المتورطين في سوق الأسهم، ولطالما كانت لخادم الحرمين مواقف مشهودة مع مواطنيه في أزمات عدة وكوارث بالغة ساندهم فيها حتى مرت كأن لم تكن.

 كما أعود وأكرر على ضرورة تكوين صندوق سيادي يقوم بالاستثمارات الداخلية والخارجية خاصة أنّ الله قد منّ على المملكة بوفورات في الإيرادات، حيث أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن الإيرادات المالية للسعودية قفزت بشكل كبير حتى نهاية الشهر الماضي إلى 200 مليار دولار، وهي أعلى مما حققته المملكة في عام 2007 كاملاً والتي وصلت إلى 194 مليار دولار، على    ألا يُترك تحت مظلة وزارة المالية أو الاستثمار بسندات خزانة أمريكية وودائع بالدولار، فالدولار قد ينهار في أية لحظة ووقتها لن يكون أمام الحكومة الأمريكية سوى طباعة مزيد من الدولارات فقط.

 

نشر في جريدة الوطن الثلاثاء الموافق 23 سبتمبر 2008م العدد (2916)




Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*
*