صناعة المؤتمرات بالمملكة.. أين الخلل؟
بقلم: د. تركي فيصل الرشيد
رغم التشريعات والتنظيمات الخاصة بإقامة المؤتمرات لدينا إلا أن المتابع يلمس معوقات تحد من تحقيق أغلب هذه المنتديات لجدواها الحقيقية وتحيلها إلى مجرد برامج علاقات عامة تقدم معلومات ليست بالدقيقة ومؤتمرات مُنظّمة بـ “الفزعة” والعشم ومن أُتيح إحضاره
روى لي أحد الأصدقاء كيف أنه تلقى دعوةً هاتفية لحضور جلسةٍ من جلسات أحد المؤتمرات بالرياض كمتحدث رئيس فيها، ولما وجد صاحبنا موضوع الملتقى متفقاً تماماً وتخصصه وأن لديه من المعلومات ما يمكِّنه من أن يدلي بدلوه في هذا الموضوع فقد أبدى موافقته المبدئية، ولكنه ما لبث وقبل انتهاء المكالمة نفسها أن رفض الدعوة، بعدما تبين له أن أمامه أقل من 48 ساعة لإعداد محاوره وتفاصيل الكلمة التي سيلقيها وأن يكون مستعداً للنقاش مع جمهور الحاضرين عقبها، وحقيقةً ومع ما أجده في هذا التصرف من أمانة زادتني إكباراً لهذا الصديق إلا أن القصة برمتها تلقى الضوء مع واقع مضطرب نحياه فيما يخص المؤتمرات والفعاليات والملتقيات كصناعة في بلادنا.
فلقد دأب كثير من المسئولين في السعودية على ترديد الحديث عن أهمية عقد المؤتمرات والمنتديات في المملكة وأن المملكة أصبحت تنافس على جذب المنتديات والمؤتمرات والمعارض، وذلك لما يصاحبها من قدوم وفود إلى هذه الفعاليات لتتعرف على المملكة ونشاطات القطاع الخاص أو القطاع التجاري بها والنهضة الحديثة التي تشهدها، حيث إن معظم المؤتمرات تساعد على دعم التجارة الخارجية للبلاد حسب التصريحات الرسمية، ولكن الجميع ما زال يتغافل عن أن المؤتمرات كصناعة ما زالت حقيقةً تواجه معوقات قد تؤدي إلى فشل ذريع في نهوضها وقيامها بدورها.
وقبل الغوص في سرد هذه المعوقات أؤكد أن المشكلة ليست في التشريعات والتنظيمات الخاصة بذلك بقدر استشعاري لعدم توافر الرغبة الحقيقية في القضاء على مناخ البيروقراطية السائد، فلقد سبق أن أقرت المملكة تنظيمات خاصة بعقد المؤتمرات والندوات المقامة فيها عن طريق الجهات الحكومية بمشاركة خارجية، ونص التنظيم على اقتصار عقد المؤتمرات والندوات في الحالات التي تتوافر فيها مسوغات لخدمة مصالح المملكة، مع إنهاء إجراءات الموافقة على إقامة المؤتمر أو الندوة بأن تقوم الجهة الراغبة في إقامة المؤتمر أو الندوة بالترتيب لذلك قبل بداية العام المالي، وإعداد جدول مبدئي سنوي – ما أمكن – على أن يكون موضوع المؤتمر أو الندوة ضمن اختصاص الجهة أو في مجال عملها، وشريطة أن يعتمد الوزير المختص أو رئيس الجهة المستقلة أو من يفوضه الأهداف والمحاور الرئيسة للمؤتمر أو الندوة والمشاركين فيها.
كما أشار التنظيم إلى أن للوزير المختص أو رئيس الجهة المستقلة الموافقة على إقامة المؤتمر أو الندوة على أن يزوّد وزارتي الداخلية والخارجية بصورة من قرار الموافقة مشتملاً على أهداف إقامة المؤتمر أو الندوة والمحاور الرئيسية والأسماء المقترحة للمشاركة فيه، قبل شهرين على الأقل من موعد إقامة المؤتمر أو الندوة، لتبدي وزارتا الداخلية والخارجية مرئياتهما حيال الأسماء المشاركة فيه من خارج المملكة خلال مدة لا تتجاوز شهراً من تاريخ تبليغها بصورة القرار وأن تتاح الفرصة للمتخصصين السعوديين للمشاركة في المؤتمر أو الندوة بقدر الإمكان، ويكون المشاركون من ذوي التأهيل العلمي وممن لديهم خبرة وممارسة عملية متميزة في موضوع النشاط، وسخرت وزارة التجارة والصناعة الإمكانات كافة لإنجاح ما يقوم به القطاع الخاص من مؤتمرات ومنتديات، بجعل التنظيم مفتوحاً في هذا الجانب للمختصين، ولكن تم توحيد العمل في جهة واحدة حتى يكون العمل مؤسسياً من خلال مجلس الغرف عبر آلية واضحة بين مجلس الغرف السعودية ووزارة التجارة تتم من خلالها المتابعة وتسهيل أية إجراءات من خلال الوزارة أو أية جهة حكومية أخرى.
إذاً ومع كل ما سبق، فالمفترض أن إقامة المؤتمرات في المملكة تخضع لقوانين وأنظمة وتعليمات واضحة وصدر بشأنها أوامر شاملة تنظم إقامة المؤتمرات حتى تتم بشكل مؤسسي بعيداً عن الاجتهاد والعشوائية, من خلال خطة سنوية لمجلس الغرف السعودية تختص بتنظيم المؤتمرات والمنتديات، وتطرح قبل فترة بعيدة من إقامتها، لتحديد الأجندة والأهداف إلى جانب معلومات الأشخاص الذين يرغبون بالمشاركة فيها ويتم التسويق لها والإعلان عنها وإمدادها بالأموال، وكل ذلك يبدو نموذجياً.
ولكن الناظر إلى الواقع وبعيداً عن الجانب النظري السابق يجد معوقات عدة تحد من تحقيق هذا الهدف المنشود، كمسألة إصدار تصاريح الفعاليات والتي ما زالت تواجه تعدد الجهات التي تصدر التصاريح وتأخر إصدار التصاريح، إضافة إلى أن إصدار تأشيرات للمشاركين في الفعاليات تواجه بعض العوائق والإجراءات المطوّلة وكذلك نقص التدريب والتأهيل للموارد البشرية ووجود بعض الشركات غير المتخصصة في تنظيم الفعاليات التي تمارس هذا النشاط ممارسة خاطئة، وعدم تخصص هذه الشركات يؤدي إلى أخطاء في التنظيم وبالتالي فشلها، ما يوجب الرقابة عليها ووضع معايير تمنعها من مزاولة نشاط غير نشاطها واستقطاب متحدثين وخبراء غير متخصصين، وإلى جانب ذلك فينبغي الوضع في الاعتبار أن صناعة المعارض والمؤتمرات صناعة متكاملة بحاجة إلى عوامل مساعدة كفنادق على أعلى مستوى ووسائل ترفيه وتوفير الخدمات كافة.
كما أن المطلوب من هذه المؤتمرات أن تساعدنا في التعرف على هموم الاقتصاد العالمي وقضايا الاقتصاد الإقليمي والاقتصاد الوطني وغيره، وتساعدنا على فهم وقراءة المستجدات العالمية والتفاهم والتفاعل معها بما ينسجم وقدرتنا الاقتصادية، وأن تخرج هذه المؤتمرات بفوائد ملموسة على وطننا بأبعاد التنمية المختلفة سواء البعد الاقتصادي أو الصحي أو العلمي أو الزراعي أو غيرها. وإن كنا لا ننكر أن بعض المؤتمرات حققت بعض الفوائد حيث تم تحسين عدد من الإجراءات نتيجة التوصيات التي خرجت من بعض المؤتمرات والمنتديات التي تقام في المملكة, مثل منتدى الرياض ومنتدى الطاقة في الشرقية ومنتدى جدة.
الخلاصة
المؤتمرات الآن أصبحت صناعة اقتصادية رائجة، والاقتصاديات العالمية تنظر إليها على أنها من أهم وأكبر الاستثمارات التي تجذب عوائد مادية على الاقتصاد الوطني, فضلا عن قيمتها العلمية وإضافتها الفكرية كمنتديات للحوار في قطاعات المال المختلفة. وفي ظل الأوضاع الاقتصادية التي تعيشها المملكة كواحدة من أكبر 20 اقتصادا في العالم ولموقعها العالمي على الساحة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والجغرافية والدينية أصبحت المملكة محط أنظار ورغبة كثير من الشركات لإقامة منتديات ومؤتمرات فيها، ومع ما سبق من التصريحات الجيدة والكلمات الرنانة التي تدل على رغبتنا بإقامة المؤتمرات في المملكة إلا أننا عندما ننظر للواقع بنظرة متفحصة نجد الوضع مختلفاً تماماً. ويكفي الإشارة إلى أن إحدى الشركات المتخصصة والتي تقيم أكثر من 1700 مؤتمر في السنة قدمت إلى مجلس الغرف وهو الجهة المخولة لاستقبال تلك الطلبات طلب إقامة 30 مؤتمراً في المملكة لعام 2011 وتم تقديم الطلب في منتصف عام 2010 وظل الطلب تحت الدراسة إلى بداية شهر أكتوبر حيث تم استلام الترخيص لعدد 6 مؤتمرات فقط. وعندما تم تقديم طلب لإقامة 24 مؤتمراً للعام القادم تمت إفادتهم بأنه من الأفضل طلب إقامة 8 مؤتمرات فقط لعام 2012.
ختاما
القائمون على صناعة المؤتمرات – بحسب رأي مختصين – تنعدم لديهم الرؤية ووضوح الأهداف، فهي بالنسبة لكثيرين مجرد برامج علاقات عامة, كما يجزم البعض أن الهاجس الأمني يظل عقبة أمام إقامة تلك المؤتمرات، وبرغم من تصريح الكثير من المسئولين عن نجاح فعالياتنا ومعارضنا إلا أن الواقع يشهد أن مستوى أغلب مؤتمراتنا يكون أقل بكثير من النجاح المحقق في الدول المجاورة. كذلك يجب ألا يكون تركيزنا على حضور المسئولين وحفلة الافتتاح فقط برغم من أهميتها، ولكن ورش العمل يجب ألا تقل أهميةً عن الحضور والتقاط الصور، فغالبا ما تكون ورش العمل وجلسات ما بعد الافتتاح خالية من الحضور، ما يوجب التحضير المبكر والإعداد الجاد لهذه الفعاليات والتعاقد بأجر لائق مع الخبراء المختصين القادرين على الإفادة وتحقيق جدوى حقيقية لهذه المؤتمرات كي يلتزموا بالحضور وتقديم محاضرة أو مناقشة يتم التحضير لها مسبقا وليس كما الوضع القائم الآن حيث يتم التحضير خلال فترة وجيزة جداً وتكون النتيجة معلومات ليست على المستوى المطلوب أو محاولة سد خانة وتنظيم المؤتمر بـ “الفزعة” والعشم ومن أُتيح إحضاره.

Leave a Reply