منوعات مختلفة

ليبيا ما بعد ألقذافي.. إلى أين تمضي؟

ليبيا ما بعد ألقذافي.. إلى أين تمضي؟

بقلم : تركي فيصل الرشيد التحدي الأكبر لدى ثوار ليبيا بعد إسقاط ألقذافي هو كيف يستطيعون تحويل نصرهم في ساحة المعركة إلى سلام مستقر مقبول لكل الأطراف في ليبيا متسامين على انقساماتهم القبلية ومفوتين الفرصة على الأجندات الخفية والعلنية لحلف الناتو والقوى الغربية

ها هو فجر جديد يوشك أن يطل على الشعب الليبي بعدما انتزع حريته بثمن فادح من الدماء ما كانت الشعوب لتقدمها إلا لمقاومة عدو غاصب ومحتل لئيم، ومع الأسف ستبدأ ليبيا من الصفر، فقد تركها ألقذافي بلداً بلا دستور ولا قضاء ولا مؤسسات ولا جيش ولا حكومة ولا أحزاب ولا مجتمع مدني.

ومن غرائب الأمور أن أول ظهور لاسم العقيد ألقذافي كان عندما قام بانقلاب عام 1969 أطاح خلاله بالعرش السنوسي في ثورة كانت نسبة نجاحها شبه معدومة حيث كانت توجد قاعدتان أمريكية وإنجليزية في ليبيا إضافة إلى أنها جاءت بعد هزيمة 1967 حيث كان العرب يعيشون أسوأ لحظة في تاريخهم الحديث. وفيما نجحت ثورة الفاتح واستبشر الناس خيرا وبدلاً من أن يعوضها ألقذافي عن سنواتها العجاف فاجأنا بمرور الوقت بتحوله إلى مهرج مرة وفيلسوف صاحب أفكار غريبة مرة أخرى، حتى شبهه البعض بفضيحة متنقلة للنظام العربي، كما وصفه الكثيرون برجل معتوه قاد بلاده أكثر من أربعين عاما في معارج الفراغ والخزعبلات والقمع الدموي والهستيريا.

حكم ألقذافي ليبيا بالحديد والنار منذ استيلائه على السلطة وأرغم التلاميذ في المدارس على دراسة الكتاب الأخضر فيما ألغى الأحزاب السياسية وألقى معارضيه في السجون وأصبح هذا المجنون ملك ملوك أفريقيا يرى فيمن يحكمهم مجموعة من الجرذان.
والسؤال الذي يطرحه الكثيرون كيف لقائد جاءت به ثورة شعبية توسمت فيه خير البلاد أن يتحول إلى النقيض بهذه الصورة؟ ولعل الجواب نجده في حكمة للمؤرخ الإنجليزي المشهور لورد أكتون من أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة.

نعم هذا هو الدرس الأول من الثورات التي شملها الربيع العربي حتى الآن خاصة في حالة ألقذافي، فالسلطة المطلقة هي التي أفقدته صوابه وساعدته ظروف المنطقة على جنونه، والتاريخ مليء بقصص الزعماء الذين أسكرتهم السلطة وأفقدتهم صوابهم، فأقاموا أنظمة قمعية ديكتاتورية جرّت الخراب على بلادهم وشعوبهم.

أما الدرس الثاني الذي قدمته لنا هذه الثورة النبيلة فتمثل في خسران الرهان الذي راهن عليه الطواغيت في ليبيا وسوريا واليمن، ففي الوقت الذي ظن فيه ألقذافي أنه سيقدم المثال الحي والدرس الوافي في قمع الثورات وهو في ذلك يلهم الآخرين ويزودهم بالمثال العملي وكأن لسان حاله يقول ساخراً لقد أخطأ بن علي ومبارك وانظروا ما أنا فاعل وتعلموا مني إذا به يهوي إلى قعر سحيق في لحظات وكان قد صوّر للعالم أن سقوطه ضرب من المستحيلات.
لقد استمرت الحرب الأهلية في ليبيا منذ بدء الثورة أكثر مما كان متوقعاً، لكن سقوط طرابلس جاء أسرع مما تم التنبؤ به, فبعد ستة أشهر من بدء الانتفاضة الشعبية في ليبيا نجحت قوات المعارضة المسلحة في اقتحام العاصمة طرابلس، ورغم أن القتال لا يزال يدور في بعض المواقع إلا أنه بات واضحا أن حكم القذافي في طريقه إلى النهاية بعد 42 سنة في السلطة.

لقد كان للقذافي جيش حقيقي مزود بالأسلحة الثقيلة، بينما كان الثوار مجرد حفنات من المدنيين الذين نجحوا في الاستيلاء على بعض الأسلحة الخفيفة، تساعدهم الحكومة القطرية و قوات حلف الناتو جويا دون أن يكون لها جندي واحد على الأرض ولكن كان الانتصار حليف الشعب على رغم اختلال ميزان القوة إلامَ يشير هذا؟

هذا الانهيار المفاجئ لثالث طاغية يسقط من قبل الثورة الشعبيّة العربيّة يؤكد مجددا ضعف وهشاشة الحكم الشمولي والزعيم الأوحد دون إشراك للمجتمع في تقرير مصيره. فالسعي الدؤوب لأَسْر الشعوب فكريّاً وعقائديّاً لم يعد ممكناً لأنه ينافي قانون الطبيعة ويناقض التعدديّة التي تبقى الضامن الأساسي لكل المجتمعات بعيداً عن الانغلاق والاعتقال ومصادرة حرية الرأي والتعبير.

إن ألقذافي الآن يعيش لحظاته الأخيرة مترنحا أمام السلطة التي تتداعى أمامه. فجأة يكتشف العقيد أن كل ما بناه كان رملاً بُني على رمل، حيث انتزع الشعب اليبي حريته بيديه بصورة أذهلت أولئك الذين أصروا على أن الصراع قد وصل إلى طريق مسدود وأن تدخل الناتو قد فشل في قلب الموازين.

لقد حاول الرئيس الهارب أن يقدم درساً لكيفية سحق الانتفاضة المدنية, حتى أن النظام السوري كان يطبق النموذج الليبي, فمثلما يكتسب مواطنو العالم العربي القوة والثقة من انتصارات إخوانهم في البلدان العربية الشقيقة، فإن الدكتاتوريات العربية أيضا تنظر إلى بعضها البعض. فقد تصاعد الزخم الثوري في اليمن بشكل كبير في كافة أرجاء ساحات الاعتصامات في 17 مدينة يمنية وفي مقدمتها العاصمة صنعاء مع تسارع الانهيار لنظام العقيد معمر ألقذافي، وأسهم ذلك في استعادة الثورة الشعبية اليمنية زخمها بعد هدوء نسبي منذ مغادرة الرئيس علي عبد الله صالح صنعاء إلى الرياض للعلاج. إن الدرس الواضح الذي تقدمه لنا الثورة الليبية أن الشعب المقهور والذي عاني الظلم الشديد إذا اتحد وتحرك لنيل حقوقه ورفع الظلم عن كاهله واسترخص في سبيل ذلك دمه وروحه لن يعوقه عائق ولن يثنيه شيء عن نيل بغيته ولو كانت الدبابات والطائرات والأسلحة الثقيلة.

أما الأمر الهام في هذا الخصوص والذي يعني كل ليبي ومعهم كل عربي غيور على عروبته فهو المرحلة المقبلة، مرحلة ما بعد النصر، لعلها قد تكون الأصعب والأكثر خطورة، ليس لأن النظام ترك ليبيا وهي في وضع مزرٍ، حيث لا مستشفيات ولا مدارس ولا جامعات ولا مؤسسات أو بنى تحتية، وإنما لان هناك انقسامات خطيرة في صفوف المعارضة وأجندات خفية وعلنية لحلف الناتو والقوى الغربية التي لم تتدخل عسكريا للإطاحة بالنظام لأسباب إنسانية وهذا أمر لا يغفله حتى الجنين في بطن أمه.

لذا فعملية البناء أصعب كثيراً من عملية الهدم، والبناء الذي نتحدث عنه هو البناء في ميادين الثقة وتكوين الإنسان الليبي الجديد على أرضية المصالحة الوطنية والتسامح وتقبل الآخر وقيم العدالة والمساواة والحرية والديمقراطية الحقة وحكم القانون.

فليبيا ليست مصر أو تونس، حيث يغيب فيها المجتمع المدني وتسود القبائلية والعشائرية والمناطقية. والمعارضة الليبية التي خاضت معارك شرسة وقدمت آلاف الشهداء للإطاحة بالنظام الديكتاتوري هي خليط من تيارات سياسية وعقائدية مختلفة توحدت تحت لافتة الكراهية والعداء للنظام، وهي كراهية يبررها أكثر من أربعين عاما من الاضطهاد والقمع الدموي،
الآن وبعد زوال هذا العامل الموحد لا بد من معالجة ما هو قائم من شروخ أو بالأحرى تطويق أخطار توسيعها، للحيلولة دون قيام حرب أهلية طاحنة، تهز استقرار البلاد وتمزق وحدتها الترابية، فمن غير المنطقي أن يوحّد النظام الديكتاتوري البلاد ثم تتفتت تحت شعارات الحرية والديمقراطية.

ليبيا الآن تعيش فراغاً أمنياً وعدم وضوح الرؤية سياسياً، وهذا أمر متوقع، ولابد من الإشارة إلى أن الإسلاميين، معتدلين كانوا أو متشددين، هم الذين تحملوا العبء الأكبر في المجهود الحربي، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها ولا يجب، ويخطئ حلف الناتو وقادته كثيراً إذا حاولوا حرمان هؤلاء من ثمار انتصارهم، وعدم الاعتراف بدورهم وحقهم في المشاركة في رسم هوية ليبيا في المستقبل.

أخيرا

ما يحدث في ليبيا درس لكثير من زعماء المنطقة. فالزعماء الذين ظنوا شعوبهم كائنات مكملة لديكور ملكهم فساموهم الظلم والهوان ولم يراعوا الله فيهم أو يصغوا إلى نداءاتهم لا يمكنهم البقاء في السلطة وإن أطلقوا الجيوش على شعوبهم. ويكون التحدي الأكبر لدى ثوار ليبيا هو كيف يستطيعون تحويل نصرهم في ساحة المعركة إلى سلام مستقر مقبول لكل الأطراف في ليبيا.

ميزة الثورات العربية في البلدان العربية التي قامت فيها أنها أعادت لشعوبها حسهم وكرامتهم، فاستعادوا إحساسهم بالتاريخ وتصالحوا بدمائهم التي أُريقت في الشوارع مع أنفسهم، وأسقطوا الطغاة، فتحية إلى شهداء الثورة الليبية ومن خلالها إلى كل شهداء الثورات العربية في نضالهم نحو الحرية والكرامة.

ختاما

إن تحرير البلاد من قبضة الرئيس الهارب ألقذافي هي مجرد نهاية البداية, لذا يجب على المعارضة المنتصرة الآن أن تبني دولة ليبية قادرة على توفير الحرية والكرامة التي يتوق إليها أهلها، والمهمة الأولى التي يجب القيام بها هي استعادة الأمن، لكي لا تنزلق الثورة إلى أن تكون حماماً للدماء يطال المنتصرين ومؤيدي النظام والمدنيين، فهذه النتيجة ستغرس بذور الانتقام وتعرض الأهداف التي حارب من أجلها الليبيون إلى الخطر، وقد يكون من الحكمة تكوين قوة متطوعة من مقاتلي المجلس الوطني الانتقالي والموظفين السابقين الأقل تلوثا الذين عملوا في النظام السابق. يجب أن تكون المصلحة الوطنية الليبية فوق كل اعتبار، وليس مصلحة حركات وتيارات قد تعرض أمنها للخطر وتكون النتيجة دائماً على حساب دولة ليبيا.

كاتب سعودي



One thought on “ليبيا ما بعد ألقذافي.. إلى أين تمضي؟”

  • محمد الحصان August 31, 2011 at 11:21 am

    الديموقراطيه افيون الشعوب


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*
*